الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
141
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
إِيَّاكُمْ كانُوا يَعْبُدُونَ * قالُوا سُبْحانَكَ أَنْتَ وَلِيُّنا مِنْ دُونِهِمْ [ سبأ : 40 - 41 ] . وإظهار الذين كفروا دون أن يقال : أفحسبوا ، بإعادة الضمير إلى الكافرين في الآية قبلها ، لقصد استقلال الجملة بدلالتها ، وزيادة في إظهار التوبيخ لها . وجملة إِنَّا أَعْتَدْنا جَهَنَّمَ لِلْكافِرِينَ نُزُلًا مقررة لإنكار انتفاعهم بأوليائهم فأكد بأن جهنم أعدت لهم نزلا فلا محيص لهم عنها ولذلك أكد بحرف ( إنّ ) . و أَعْتَدْنا : أعددنا ، أبدل الدال الأولى تاء لقرب الحرفين ، والإعداد : التهيئة ، وقد تقدم آنفا عند قوله تعالى : إِنَّا أَعْتَدْنا لِلظَّالِمِينَ ناراً [ الكهف : 29 ] . وجعل المسند إليه ضمير الجلالة لإدخال الروع في ضمائر المشركين . والنزل - بضمتين - : ما يعدّ للنزيل والضيف من القرى . وإطلاق اسم النزل على العذاب استعارة علاقتها التهكم ، كقول عمرو بن كلثوم : قريناكم فعجّلنا قراكم * قبيل الصبح مرداة طحونا [ 103 ، 104 ] [ سورة الكهف ( 18 ) : الآيات 103 إلى 104 ] قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمالاً ( 103 ) الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً ( 104 ) اعتراض باستئناف ابتدائي أثاره مضمون جملة أَ فَحَسِبَ الَّذِينَ كَفَرُوا إلخ . . . فإنهم لما اتخذوا أولياء من ليسوا ينفعونهم فاختاروا الأصنام وعبدوها وتقربوا إليها بما أمكنهم من القرب اغترارا بأنها تدفع عنهم وهي لا تغني عنهم شيئا فكان عملهم خاسرا وسعيهم باطلا . فالمقصود من هذه الجملة هو قوله وَهُمْ يَحْسَبُونَ . . . إلخ . وافتتاح الجملة بالأمر بالقول للاهتمام بالمقول بإصغاء السامعين لأنّ مثل هذا الافتتاح يشعر بأنه في غرض مهمّ ، وكذلك افتتاحه باستفهامهم عن إنبائهم استفهاما مستعملا في العرض لأنّه بمعنى : أتحبون أن ننبئكم بالأخسرين أعمالا ، وهو عرض تهكم لأنه منبئهم بذلك دون توقف على رضاهم . وفي قوله بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمالًا إلى آخره . . . تمليح إذ عدل فيه عن طريقة الخطاب بأن يقال لهم : هل ننبئكم بأنكم الأخسرون أعمالا ، إلى طريقة الغيبة بحيث يستشرفون إلى معرفة هؤلاء الأخسرين فما يروعهم إلّا أن يعلموا أنّ المخبر عنهم هم أنفسهم . والمقول لهم : المشركون ، توبيخا لهم وتنبيها على ما غفلوا عنه من خيبة سعيهم .